السيد محمد حسين فضل الله

66

من وحي القرآن

وقد يخيّل لبعض الناس أن العبادة الحقيقة تتمثل في الصنف الثالث ، لأنها المظهر الحيّ للخضوع للذات الإلهية ، من دون أن يكون هناك أيّ شيء للعنصر الذاتي للعابد ، في ما يحتاج إليه من ربح لمصلحته ، أو في ما يبتعد عنه من خسارة لحساب حاجته ، فإن الرغبة والرهبة حالتان إنسانيتان تحرّكان الإنسان نحو ذاته حتى في انفتاحه على اللَّه ، أكثر مما تحركانه نحو اللَّه في مواقع ألوهيته . وهذا هو الإيحاء الفكري ، في ما جاء عن الإمام علي عليه السّلام في نهج البلاغة ، قال : « إنّ قوما عبدوا اللَّه رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوما عبدوا اللَّه رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوما عبدوا اللَّه شكرا فتلك عبادة الأحرار » « 1 » . فقد نلاحظ - في هذه اللفتة التعبيرية - لونا من الإيحاء بأن الإنسان الذي ينطلق من الرغبة إنسان تاجر يتحرك من الذهنية التجارية ، كما أن الذي ينطلق من الرهبة عبد يتحرك من عقلية العبيد الهاربة من كل عقاب . . فليستا حالتين في العبادة ، بل هما حالتان ماديتان في الاستغراق الإنساني في ذاته ، في ما يجلب لها من النفع أو يدفع عنها من الضرر . وقد نقل عنه أنه قال : « إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك » « 2 » . ولكننا لا نرى في عنصر الخوف والطمع أيّة منافاة للمعنى العميق للعبادة ، لأن الخضوع الإنساني المستغرق في ذات اللَّه - المعبود ، ينطلق من التفكير في عظمته بحيث يشعر بأنه مشدود إليه في وجوده ، ومفتقر إليه في حاجاته ، وخاضع له في مصيره ، فإن الرغبة أو الرهبة - بالمعنى المطلق - لا

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، قصار الحكم / 237 . ( 2 ) مرآة العقول ، باب النية ، ج : 2 ص : 101 ، الطبعة القديمة .